الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

304

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

بحجج مضحكة لتحاكمهم إلى الطاغوت والرجوع إلى الأجانب ، من جملتها أنهم كانوا يقولون : إن التحاكم إلى الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لا يناسب شأنه ولا يليق بمقامه ، لأن الغالب أن يحصل شجار وصياح في محضر القضاة ومن جانب المتداعيين ، وذلك أمر لا يناسب شأن النبي ولا يليق بمكانته ومحضره . هذا مضافا إلى أن القضاء ينتهي دائما إلى الإضرار بأحد الطرفين ، ولذلك فهو يثير حفيظته وعداوته ضد القاضي والحاكم ، وكأنهم بأمثال هذه الحجج الواهية والأعذار الموهونة ، كانوا يحاولون تبرئة أنفسهم وتبرير مواقفهم الباطلة ، وادعاء أن تحاكمهم إلى غير النبي كان بهدف التخفيف عن النبي . وربما اعتذروا لذلك قائلين : إن هدفنا لم يكن ماديا في الأساس ، بل كان التوصل إلى وفاق بين المتداعيين . ولكن كشف سبحانه في الآية الثالثة النقاب عن وجههم ، وأبطل هذه التبريرات الكاذبة وقال : أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم . ولكنه سبحانه يأمر نبيه مع ذلك أن ينصرف عن مجازاتهم وعقوبتهم فيقول : فاعرض عنهم . ولقد كان رسول الله يداري المنافقين ما أمكنه لأجل تظاهرهم بالإسلام ، لأنه كان مأمورا بالتعامل معهم على حسب ظواهرهم ، فلم يكن يجازيهم إلا في بعض الموارد الاستثنائية ، لأنهم كانوا بين صفوف المسلمين - في الظاهر - فكانت مجازاتهم يمكن أن تحمل على أنها نشأت من أغراض شخصية . ثم إنه سبحانه يأمر النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يعظهم ، وأن ينفذ إلى قلوبهم بالقول البالغ ، والعظة المؤثرة ، يذكرهم بنتائج أعمالهم : وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا . * * *